وتحيا خزعة العبرية! ومن يتصور أن خربة خزعة كانت هنا طردناهم وورثناهم …
جئنا أطلقنا النار حرقنا نسفنا ونفينا. ليس هذا كلام عربيا… إنها صرخة ضمير نادرة أطلقها أديب إسرائيلي وتعطي تحديدا دقيقا لحقيقة الوطن… ترد على التاريخ وعلى أساتذة التاريخ …هكذا قام الوطن الوطن إسرائيل… لا بالحق ولا بالتاريخ ولا بالهرب والاضطهاد بل بالعنف وحده… وليست خربة خزعة هي المكان الوحيد… بل فلسطين كلها… وإن الإسرائيلي يسكن بيوتا مسكونة بالأشباح… أشباح وأرواح فلسطينيون كانوا هنا يوما.
وقرية كفر سابا مثلها مثل خزعة… وغيرها من القرى والمدن الفلسطينية التي دمرها الاحتلال الصهيوني، وبنى على أنقاضها دولته التي اعترف بشرعيتها كل العالم ومن خلفهم أمتنا العربية وأخيرا الجانب الفلسطيني ضمن استراتيجيات السلام العالمي… نسوا أن هناك من لا يزال لا يملك إلا تلك الأرض ويحلم بالعودة إليها… تسأله بعد 54 عاما السؤال الفضيحة… من أين أنت …. يقول لك أنا من هناك، فتلك الذاكرة لا تستطيع أن تدرك بالرغم من كل المعادلات التي حاول بها أنصار السلام المزعوم تبسيطها لتبرير بيعهم لهناك، إن هناك أصبح الوطن القومي لشعب بلا أرض.
كان لي بيتا هناك وأحلى ذكريات … أحلام شبابي وأصداء الذكريات… هكذا بدأت الحاجة أم يحيى حديثها معنا عن قريتها المدمرة كفر سابا، وتضيف: كنا نعيش بسلام في بيوتنا وأرضنا، ورغم قلة الموارد إلا أننا كنا نشعر بسعادة كبيرة، بيارات البرتقال والليمون، وأشجار المشمش والخوخ والتفاح، وفوق كل ذلك راحة البال التي لم نعد نعرفها بعد ذلك المشؤوم… خروجنا من وطننا…. الفردوس الذي كان .
أم يحيى تعيش الآن في مدينة قلقيلة تتذكر تلك الأيام التي كانت لها هناك في كفر سابا، والقرية تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة طولكرم، وهي على بعد ثلاثة كيلومترات من كل من مدينة قلقيلة والمستعمرة الصهيونية المسماة كفار سافا. وأقيمت القرية فوق منطقة سهلية عند ملتقى عدة طرق فرعية تربطها بسائر القرى المجاورة، وتنتشر ينابيع الماء إلى الشرق والشمال الشرقي منها، وأشهرها عين النبي يامين التي اعتمدت القرية عليها للتزويد بماء الشرب.
اتخذ مخطط القرية شكلا أقرب الى المربع، وبلغت مساحتها 26 دونما، وفي ركنها الجنوبي الشرقي أقيم الجامع، وقد امتدت القرية في نموها العمراني باتجاه طريق يافا – طولكرم فوق أراض غير زراعية في حين انتشرت معظم الأراضي الزراعية إلى الغرب منها.
بلغت مساحة الأراضي التابعة للقرية 9.688 دونما منها 456 دونما للطرق والأودية، وغرس البرتقال في2.220 دونما منها والزيتون في 30 دونما منها، إلى جانب ذلك قامت زراعة الحبوب والبطيخ والقثاء والخضر,.
وتحيط بأراضي القرية قلقيلة ومسكة وجلجوليا وحبلة. وعلى بعد 4 كم غرب القرية تقع خربة سبيه التي كانت تقوم عليها قرية كفر سابا في العهد الروماني. وقدر عدد سكان القرية عام 1945 بحوالي 1.270 نسمة بما فيهم عرب العبيدات.
بداية الهزيمة
دمر الصهاينة القرية عام 1948 وأقاموا في ظاهرها الشرقي على بقعة النبي يامين مستعمرة النبي يامين. وتقوم اليوم مستعمرة قبلن على أراضي القرية.
ورغم أن القرى والمدن الفلسطينية كلها تعرضت لمجازر إلا أن لكل منها خصوصيتها، الحاجة أم يحيى تبدأ حديثها عما حصل معها فتقول: كنت اعمل وزوجي في بيارة ليهودي اسمه مندلي ليست بعيدة عن كفر سابا.
كنا نزرع فيها البرتقال والليمون والتفاح، ولدينا البقر والخيل والدواب. وفي يوم جاء إليَ مندلي وأنا كنت أخيط بعض الأغطية وإبنتي فاطمة في الأرجوحة فقال لي: ماذا تفعلين يا زوجة رؤوف- أسم زوجي عبد الرؤوف-، فقلت له مثل ما أنت شايف، فرد علي لا تتعبي نفسك سوف تخرجون من كفر سابا وتقوم الحرب… تفاجئت بصراحة من قوله ولكنني لم أخذ الموضوع محمل الجد رددت عليه : الله يأخذك شو بتحكي… أجاب وقد تغيرت علامات وجهه من المزح إلى الجدية: سوف ترين أن الحرب قائمة … إذا أنتم انتصرتم ستحرثون على مندلي… ولكن إذا انتصرنا سنحرث نحن على رؤوف،بدلا من الدواب… صمتت قليلا وقالت بصوت تراءى لنا أنه يأتي من هناك من الفردوس الذي فقدته : وبعد ثلاثة أيام كانت الحرب… وكانت الهزيمة… ولكنهم لم يحرثوا على عبد الرؤوف فقط بل على الشعب الفلسطيني بأكمله.
الخروج الأخير من القرية
وتتابع: كنا في نهاية شهر نيسان موسم حصاد القمح الكندي، وبما أن حقول الحصاد كانت بعيدة عن وسط القرية، كنا كل يوم نسمع عن حادثة جديدة، يوم أبو محمد هجم عليه اليهود وضربوه، أخر أطلقوا عليه النار قرب عين القرية، وآخر قتله اليهودي الذي عاش معه سنوات طوال قبل أن ينتصروا في الحرب… وهكذا عاشت القرية أيام رعب، فكل يوم من هذا … ولكن لم نكن نتخيل أن سيأتي علينا يوم ونترك قريتنا…
وعندما بدأت المناوشات الحقيقية بدأ أهالي القرية بجمع المال لشراء السلاح للمقاومة، ولم يبخل أحد فالذي لا يملك المال كان يقدم أي شئ يملكه حتى أن زوجي قدم خواتم وأساور ذهب لي…وخلال كل ذلك وصلت كتيبة من الجيش السوري إلى القرية وكان من المفروض أن نحضر لهم العشاء، وبعد ذلك بدأت مناوشات في تلك الليلة وكان الأطفال نيام، فقدرنا أنه حادث عادي، ولكننا صحونا على رصاصة اخترقت باب البيت واستقرت في وسطه، فأدركت من الصوت أن الأمر مختلف هذه المرة…
وتتابع حديثها وكأنها تعيش تلك الأحداث اليوم ليس قبل 53 عاما، في تعابير الوجه لم تكن إلا صورة حية عن طبيعة شعورها في ذلك الحين، تقول: قمت من الفراش ونظرت إلى الخارج فإذا بزوجي على الباب واضعا يديه خلف ظهره وفي عينيه نظرة لم أعتدها وقال لي: خذي الأولاد واطلعي من البلد، اليهود بيقتلوا فينا، والعرب باعونا سلاح خربان، ما منه فائدة… ثرت وقلت: كيف نترك بيتنا وبلادنا.. وين نروح من غيرك… لم يلتفت إلي وقال : قلت لك اشردي أنت والأولاد أنا سأبقى أدافع عن البلاد.
وأمام إصراره خرجت إحنا والأولاد إبراهيم 4أشهر، وفاطمة، سنة ونصف، وكنت قد أعطيت ضرتي باقي الأولاد لتخرجهم معها إلى عزون، كنت أحمل الطفلين وأركض مع أهالي القرية، وكان من ضمنهم حاج كبير يدعى العم صالح، ضعيف البصر، فقلت له : تحمل البنت ولا أرميها، فحملها عني رغم عجزه، لا يمكن أن يتخيل أحد الموقف، زوجي لم يخرج معنا ولا أعرف مصيره، وأبنائي مع ضرتي لم أعرف ماذا جرى لهم، وأصوات الرصاص ورائي وأخبار القتلى أمامنا. فقد كان الصهاينة يقتلون كل من هو في الشارع، شاب، أو طفل، وشيخ، وحتى الحيوانات، ولكم يكن عمري وقتها سوى 17 عاما.
واصلت الركض، ولا أعرف كيف وصلت إلى حبلة بلدة قرب قلقيلية، وهناك ما أن هدأت حتى تذكرت البنت، كنت قد نسيت إنني أعطيتها للشيخ صالح، رحت أصيح دون وعي إلى أن قالوا لي إنها مع العم صالح…
يا غافل وحد الله
قالت الحاجة هذه الكلمات وصمتت كأنها أضاعت كلماتها، أو أنها لم تشأ أن تتحدث عن بدء الجزء البائس طويل الأمد من حياتها، ذلك الجزء الذي ابتدأ منذ تلك اللحظة في الشتات، وعندما ألححنا عليها لتكمل، قالت: ماذا سأقول انهزمنا يا بنتي، ولكن ليس اليهود الذين هزمونا نحن من هزمنا أنفسنا، نحن ضمائرنا ماتت ونستحق كل ما نحن فيه، ماذا تريدين أن تعرفي ؟ وعن ماذا أتحدث ؟ لم يبق شئ أرضنا راحت لم أر بيتي منذ العام 1994، عندما مرضت طلبت من إبني أن يأخذني للقرية أراها أخر مرة، بيتنا الذي عشت فيه أحلى أيامي، بنيته بيدي أنا وزوجي، كان عبارة عن حجارة فوق بعضها، بيارات البرتقال والتفاح اختفت وظهرت مكانها عمارات وبيوت يسكنها من قتلوا أهلي، كل شئ تغير حتى الأسماء لم تعد هي….وعندما سألناها عن مصير زوجها تنهدت وقالت: لحق بنا فيما بعد، ولكنه ترك أبو يحيى الذي كنا نعرفه هناك، فلم يعد هو… فهو دائم السكوت وحتى آخر يوم في حياته بقي يردد سنرجع إلى هناك.
وتحدثنا عن قصة له فتقول أنه لم يأكل البرتقال وحرمها على نفسه إلا إذا كانت من بيرات القرية، وفي عام 1967 تسلل إلى أرض البيارات وقطف من الشجر الذي كان يزرعه…
وفي قلقيلية وفي الحي المقابل للحي التي تعيش فيه أم يحيى كانت الحاجة ثرية في غرفة صغيرة تحيط بها ما بقى لها من أدوات حملتها معها في خروجها الأخير من قريتها، معلنة رفضها لكل أساليب التكييف مع الحياة الجديدة في الشتات بعيدا عن بيتها الذي كان لها يوما هناك ولو كان الوقت يتعدى نصف القرن، أول ما سألناها عنها كانت كمن عادت إليه الروح بعد موت طويل… قالت: كانت جنة على الأرض فقد كانت مليئة بالخيرات التي لا تعد، كنا كثيرا ما نسمع عن مضايقات اليهود لأبناء القرية ونحن ياغافل وحد الله وفي لحظة ضاع كل شئ، ونحن في طريق أكثر من سبعين من أبناء البلد قتلوا أمام عيني عدى من قتل من أبناء القرى المجاورة، ونحن كنا نركض ولا ننظر وراءنا خوفا من الرصاص الذي كان يتطاير وراءنا، وكثيرا منهم لا نعرف حتي الآن مصيرهم.وتضيف: قبل أن نخرج من البيت جمعونا كلنا في الحقول، النساء منطقة والرجال في أخرى وقالوا لنا من لا يخرج نقتله، وكان الناس يخافون ويرحلون، كل من يقاوم كان يقتل أمام الجميع ولو بالكلام…وعندما نخرج يقتلوننا في الشوارع….
لما يصير عنا رجال
وعندما سألناها عن أملها في العودة قالت: بقيت طوال حياتي مقتنعة أنني سأعود يوما، إلى العام 1992 عندما زرت القرية ذهبت إلى وسط القرية حيث كان بيتي، كان هناك الكثير من البيوت التي هدمت، إلا أن بيتي كان لا يزال هناك تسكنه عائلة يمنية، البيت غير البيت والأسماء ليست الأسماء، كانت في غاية الظرف معي ساكنة البيت فقد سمحت لي أن أر ما كان لي، وعندما أخذت بالبكاء قالت لي: ما تخافي أنا أهتم بالبيت كثيرا والحديقة أعتني بها الآن لا أمل لي بالعودة إلا بمعجزة من الله. وعندما سألناها عن سبب احتفاظها بمفتاح البيت الذي يتصدر غرفتها ضحكت وقالت الريحة ولا العدم يا ابنتي ..
أما الحاجة أم يحيى فتجيب عن نفس السؤال قائلة: لم اقتنع أن كل شئ قد راح وأن لا أمل لنا بالعودة إلا عندما زارنا مندلي في العالم 1968 اليهودي الذي كنا نعمل عنده فقال لي: لم تصدقيني عندما قلت لك ستخرجون… أما عن عودتنا فممكن أن نرجع الى بيوتنا لما يصير عنا رجال…
قصة تلك العائلات والقرى ليست إلا حرف في كتاب الجرائم الصهيونية ضد هذا الشعب الذي لم يبقى لهم إلا الحلم بالعودة يوما إلى ما كان لهم… معاناة كاملة لخصها شاعرنا محمود درويش في قصيدته لماذا تركت الحصان وحيدا…
إلى أين تأخذني يا أبي؟
إلى جهة الجبال البعيدة
ومن سيسكن البيت من بعدنا يا أبي؟
سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي!تحسس مفتاحه مثلما تحسس أعضاءه واطمأن .
لماذا تركت الحصان وحيدا؟
لكي يؤنس البيت يا ولدي فالبيوت تموت إذا غاب سكانها..
متى نعود يا أبي؟
غدا ربما بعد يومين يا ابني!
وكان غدا طائش يمضغ الريح
خلفهما في ليالي الشتاء الطويلة
وكان جنود يهوشع بن نون يبنون
قلعتهم من حجارة بيتهما
وهما يلهثان على درب قانا
Be the first person to like this.
